| صورة من معاناة حي أبراج الندى والعودة في مخيم جباليا: قصص صغيرة عن شموخ وتضامن الشعب الفلسطيني تحت الحصار |
| صورة من معاناة حي أبراج الندى والعودة والتضامن الفلسطيني الذي سيسطر في كتب التاريخ * كيف تضامن السكان حين انقطع التيار الكهربائي فحولوا مخبز الطابون إلى مخبز عام لإكفاء جميع سكان الأبراج في شمالي القطاع * حسن الوالي يروي لموقع »عرب 48« قصصا صغيرة تؤكد شموخ وتضامن الشعب الفلسطيني برغم الحصار
استيقظ الطفل أحمد حسن الوالي، إبن السنوات الأربع، صباح الخميس الماضي فعلم أن دبابات الاحتلال وجرافاته قامت بهدم روضته التي يذهب إليها كل صباح. توجه أحمد إلى والده حسن (37 عامًا) ووالدته مريم متسائلاً، هل صحيح أن اليهود هدموا روضتي؟
أحمد الصغير دهش في البداية ولم يصدق أن جرافات الاحتلال الإسرائيلي تهدم روضته ، ركض إلى بيت زميله محمد سرحان، وسأله أصحيح انه تم هدم الروضة؟ كان محمد قد قام بزيارة لأنقاض الروضة، ووجد الدمى والبريستول المبعثر تحت الأنقاض، فأخبر صديقه وزميل صفه إن الروضة هدمت فعلاً.
أحمد لم يصدق، ولم يرغب في تصديق خبر الهدم. في عقله الصغير كان يدوي سؤال محير: ما للآلة العسكرية الإسرائيلية وروضة أطفال صغيرة لا حول لها ولا قوة؟ .
توجه أحمد إلى والده، حسن، وطالبه أن يهاتف إبن عمه باسل زياد الوالي، ليستطلع الأمر منه. إبن عمه الذي يعيش في مخيم جباليا، أكد عليه الخبر، ثم بدأ أحمد بالبكاء بعد أن تيقن من حقيقة خبر هدم الروضة. ويقول والد أحمد، حسن الوالي، "لاحظت الإحباط والغضب على وجهه، وبدأ يبحث عن بدائل، لأنه يريد أن يتعلم".
هذا الطفل الفلسطيني الصغير لم ييأس من هدم روضته. لقد ناقش والده عن خيارات أخرى. روضة أخرى يمكنه ان يتعلم فيها. بالنسبة له، موضوع الروضة هو موضوع المستقبل كله. حسن ومريم حاولا جاهدين أن يخففا عن إبنهما الصغير.
* أبراج تحت الحصار *
يعيش أحمد واخوانه الخمسة ووالداه في شقة في عمارة في منطقة أبراج الندى والعودة. أبراج الندى هي مجموعة عمارات يعيش فيها نحو 1200 فلسطيني، وأبراج العودة هي مجموعة عمارات يعيش فيها 1600 فلسطيني . 30 بالمائة من سكان هذه الأبراج هم من الأطفال.
أبراج الندى والعودة موجودة في الحدود الجنوبية من مستعمرة "نتسريم"، شمال شرق قطاع غزة.
منذ يوم الثلاثاء الماضي وهذه الأبراج الشاهقة تعيش تحت الحصار بكل معنى الكلمة، والحياة فيها مشلولة. 4000 طالب في هذه الأبراج ومنطقة عزبة بيت حانون وقرية أم النصر البدوية، لا يذهبون إلى مدارسهم بسبب العدوان الإسرائيلي المسمى "أيام التوبة". الحديث عن مدرسة "خليل عويضة" الابتدائية المشتركة التي تخدم هذه المنطقة، وأجزاء من معسكر جباليا وعزبة بيت حانون، وكذلك مدرسة أحمد الشقيري الثانوية ومدرسة عزبة بيت حانون الإعدادية للبنين.
أما العيادة الوحيدة في المنطقة فهي مغلقة أيضًا، حيث أن قوات الإحتلال تمنع وصول الطاقم الطبي المكون من 15 طبيبًا وممرضًا وإداريًا من غزة ومن منطقة شمال القطاع. وقد كانت منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" نوهت في بيان وصلت نسخة عنه إلى موقع "عرب 48" إلى تدهور الوضع الصحي الناتج عن سياسة الإغلاق الإسرائيلي للمنطقة.
ويقول حسن الوالي، "منذ يوم الثلاثاء تخضع المنطقة لحصار كامل من جيش الإحتلال الإسرائيلي ونشاط لدباباته التي لا تبعد سوى عشرات الأمتار عن المنازل وتشكل تهديدًا يوميًا ومصدر خوف وقلق للأطفال. يتعرض حي أبراج الندى والعودة إلى ممارسات إسرائيلية هدفها التخويف والإرهاب وقدرنا إننا موجودون على مقربة من مستوطنة "نتسريم"".
* تحت الرصاص *
تعرضت هذه المنطقة لوابل من الرصاص أدى في الماضي غير البعيد إلى استشهاد عدد من الأطفال وإصابة غيرهم. ابنة حسن الوالي، غدير (12 عامًا) أصيبت قبل عامين بعيار في فخذها لا تزال تتلقى العلاج الطبي والطبيعي على أثره حتى يومنا هذا، اي بعد عامين من الحادث. الطفل محمود الطلالقة كان في السابعة من عمره حين استشهد، حيث خرج للعب في ساحة بيته، فما كان من صلية صادرة من دبابة إلا ومزقت أحشاءه. كان ذلك في مارس-آذار من العام 2002. في نيسان الماضي تعرض الحي إلى هجمة حيث وصلت الدبابات على بعد خمسة أمتار عن المباني. الطفلة منى أبو طبق ذهبت لشراء الحليب من "السوبرماركت" القريب، فأصيبت بطلقة نارية في بطنها استشهدت على أثرها. منذ الثلاثاء الماضي وهذه المنطقة تتعرض بصورة مستمرة لإطلاق النار.
ويروي حسن الوالي : "بالأمس كنا نجلس أنا وأصدقائي في ساحة المبنى نبحث قضايا تتعلق بسكان الحي، فإذا بقذيفة من عيار 250 ملم تسقط بيننا. قدر الله ولطف ومنع مأساة أخرى. نحن نعيش حالة ارهاب وتخويف لم يسبق لها مثيل وتنعكس على سلوك الأطفال، الذين نحاول جاهدين إبعادهم عن الخطر ولكن صوت الدبابة ومنظرها والطائرات التي تحلق فوق رؤوسنا عدا طائرات الاستطلاع - تزعجهم وتؤرقهم".
ويردف الوالي إن هناك شللا تاما في الحركة، وحالة من العزلة فرضها الإحتلال الإسرائيلي على المنطقة، "وحتى أهالينا وأقاربنا الذين استشهدوا في جباليا لا نستطيع الوصول إليهم لتقديم واجب العزاء، حيث نستغل راديو "الحرية" المحلي لنقل تعازينا".
* فصل وتضامن *
الأيام الأخيرة فصلت أهالي الأبراج وعزبة بيت حانون ومخيم جباليا عن بلدة بيت حانون، التي يعيش فيها نحو عشرة آلاف نسمة، وتمثل بالنسبة لهم شريان الحياة. تصعيد قوات الإحتلال الإسرائيلي للاجتياح زاد العزلة في الأيام الثلاثة الأخيرة. كان التواصل مع بيت حانون يوفر الطعام والخضار والحليب. واليوم يكتفي سكان منطقة الأبراج بما لديهم من مخزون في الدكاكين. ويؤكد حسن الوالي، "قمنا بجرد لجميع ما في الدكاكين المحلية وتبين ان ما فيها يكفينا لمدة تتراوح بين 4-5 أيام، وعندها ينتهي مخزون المواد الغذائية. لدينا مشكلة حاليًا في حليب الأطفال تحت سن ستة أشهر، لأننا نستطيع العثور على بدائل لأطفال ما فوق هذا السن".
في نهاية الأسبوع المنصرم انقطع التيار الكهربائي عن منطقة الأبراج، والتيار الكهربائي يشكل شريانا حياتيا هاما بالنسبة لسكان الأبراج، حيث أصبحوا بدون مضخات مياه وبالرغم من أن الطواقم الفنية استعدت للحضور لاصلاح العطل، إلا أن الجيش الإسرائيلي منع وصولهم. التيار عاد مرة أخرى إلى الأبراج عصر الأحد.
* "نتحدث عن المعاناة ليس من باب البكاء بل لفضح ممارسات الاحتلال" *
ويستطرد الوالي قائلاً: "نتحدث عن معاناتنا ليس من باب البكاء بل من باب فضح الممارسات الاحتلالية الإسرائيلية، وحتى نوضح للعالم ان دبابات اسرائيل لا توفر الأمن ولا توزع الورود على أطفال شمال قطاع غزة بل تزرع الدمار والموت والخراب".
ويضيف الوالي، "وبالرغم من ذلك فنحن جزء من هذا الشموخ الفلسطيني ولن يكون لجوء آخر في الشعب الفلسطيني، حيث يضرب السكان أسمى آيات التضامن والتلاحم والتكاتف وهنا ينعكس العمق الفلسطيني، غير المهزوم، وهنا تظهر عملقة الشعب الفلسطيني: هناك مخزون معدل لكل السكان في منطقة الأبراج وليس لبيت ابو أحمد أو أبو حسن. هذا التضامن يتمثل في الإبداع في الحلول، فحين انقطع التيار الكهرباي حولنا مخبز الطابون في بيت أبو عارف عبد الدايم إلى مخبز عام لجميع السكان. مخبز الطابون الصغير استطاع أن يخبز 2500 رغيف خبز. نصل إلى كل شقة ونسأل عن حاجة كل عائلة. هذا هو التضامن".
ويضيف حسن: "ان الدعاية الإسرائيلية التي تقول ان الهدف هو انهاء إطلاق صواريخ القسام هي دعاية غير صحيحة، فالهدف ليس صواريخ القسام بل إنهاء الأمل الفلسطيني ببناء دولة مستقلة له. نقول لهم نحن على استعداد أن تكون دولتان لشعبين: دولة فلسطينية مستقلة توقف معاناة الشعبين، بل ومعاناة الشرق الأوسط كله. لماذا نلتف حول الحقيقة. لن ينعم الشرق الأوسط كله بالهدوء طالما لا توجد دولة فلسطينية مستقلة. المسألة ليست في الحل العسكري بل في الحل السياسي، وليس في عمليات الرد والرد المضاد في دائرة لا تنتهي من العنف. على حكومة شارون أن تقتنع بأن الشعب الفلسطيني لا يوجد له أرض أخرى، وعليها أن لا تحاول الابداع في الحلول العسكرية بل في الحلول السياسية وهي الاعتراف بأن لهذا الشعب يجب أن تكون دولة تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل".
وينهي حسن الوالي حديثه قائلاً: "نريد أن نؤكد أن الشعب الفلسطيني وصل إلى قناعة تامة، انه لن يكون هناك لجوء آخر في حياته مهما كانت فظاعة الآلة العسكرية الإسرائيلية". |
|